أحمد مصطفى المراغي
136
تفسير المراغي
وفائدة ذكر قوله : ( عَلى أَنْفُسِكُمْ ) الإشارة إلى أن الأكل المذكور مع أنه لا حرج فيه لا يخل بقدر من له شأن ، فقد كثر إقحام ( النفس ) في ذوى القدر كقوله : « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » ولم يقل : كتب ربكم عليه الرحمة ، وقوله في الحديث القدسي « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي » ولم يقل : حرمت الظلم علىّ وذكر هذا الحكم وهو معلوم ، ليعطف عليه غيره في اللفظ ، وليساويه ما بعده في الحكم . ( أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ ) لما علم بالعادة أن هؤلاء تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم من الأقارب . ( أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ) عنى بذلك وكيل الرجل وقيّمه في ضيعته وماشيته ، فلا حرج عليه أن يأكل من ثمر الضيعة ويشرب من لبن الماشية ، ولكن لا يحمل ولا يدّخر ، وهذا إذا لم يجعل له أجرا على ذلك ، فإن جعل له أجرا فلا يحل له أكل شئ منها . ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) أي أو بيوت أصدقائكم الذين يصدقونكم المودة وتصدقونهم ، هذا إذا علم رضاهم بذلك بالإذن أو بشاهد الحال ، ولا فرق بينهم وبين غيرهم إذا وجد الإذن . قال ابن زيد : هذا شئ قد انقطع ، إنما كان في أوّله ولم يكن لهم ستور أبواب ، أو كانت الستور مرخاة ؛ فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد ، وربما وجد الطعام وهو جائع ، فسوّغ له أن يأكل منه ، ثم قال ذهب ذلك اليوم ، البيوت فيها أهلها ، فإذا خرجوا أغلقوا اه . وعلى هذا ، فالمعنى يجوز الأكل من بيوت هؤلاء وإن لم يحضروا إذا علم رضاهم به بصريح اللفظ أو بالقرينة وإن كانت ضعيفة . وإنما خص هؤلاء بالذكر ، لأنهم اعتادوا التبسط بينهم ، والرضا فيهم محقق غالبا